و إذا تحدثنا بالنسبة المئوية على طريقة بعض المشتغلين بالمسألة الثقافية ، قلنا بكل يقين :

إن الثقافة الربانية ترعى و تنمي ١٠٠٪ من قدرة الإنسان الإبداعية ، لأنها تطلق كل طاقاته من عقالها ، في إطار من الضبط و التنظيم ، يجعله في منجى من إهدار أي جزء من تلك الطاقة فيما ليس من صالح الإنسانية بعامة .

وإن العطاء الذي قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية ، خير دليل على ما أقول . 

إن الحقيقة السالفة ، تفسر لنا لماذا توقف ركب الحضارة الإسلامية عن العطاء ، عندما اصطدم المسلمون بصخرة الاستعمار ، بحيث تجمدت قواهم و تعطلت قدراتهم الإبداعية ، و ما زالوا يعانون من هذا الشلل الفظيع ، لأن نفوسهم ما زالت مقطوعة الصلة بذلك التيار العظيم ، الذي أعطاها الدفع القوي في عهود التألق و الازدهار .. 

      إنه تيار الإسلام : عقيدة و شريعة و منهج حياة ، وما يتضمنه كل ذلك من قيم شاملة .

و لماذا كانت القيم الدينية هي وحدها الكفيلة بسعادة الإنسان و إرساء دعائم المجتمع الذي تتوافر فيه الكفاية و العدل و السلام؟

ذلك لأنها وحي من عند الله الذي خلق الإنسان و أكرمه بالخلافة على هذه الأرض ، فهو جل جلاله أعلم بما يصلح عليه أمر الإنسان و حياة المجتمع .

(ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير)

ومن هنا كانت كل محاولات الفكر الإنساني –خارج نطاق التشريع الإلهي – قاصرة عن تقديم المنهج المتكامل لحياة الإنسان و المجتمع حياة سعيدة فاضلة .

ومن هنا أيضا نجد أكثر الشعوب المتحضرة بهذا المقياس ، هي أكثرها تعرضا للتمزق النفسي والانهيار الخلقي و اندفاعا نحو هاوية الصراع بين الأفراد و الشعوب .

وما أصاب المسلمين اليوم من قصور ليس مرجعه قيم الإسلام ومبادئه ومقاصده وغاياته، وإنما سببه الفرق بين العلم والعمل والفصل بين العقيدة والمبادئ والقيم ، و اللحاق بركب الحضارة لا يكون على حساب الثوابت ، إن ثوابتنا وقيمنا نحن المسلمين هي سبب عزنا وهي سبب تقدمنا ، ويجب أن يعرف كل فرد في الأمة التي تريد النهوض إلى المجد أن العقيدة هي التي تبني القوى وتبعث العزائم وتضيء الطريق للسالكين .

إن الدين في جوهره تنظيم للصلة بين الإنسان و ربه خالق الكون و الحياة ، و تنظيم للصلة بين الإنسان و المجتمع الذي يعيش فيه ، وذلك على أسس مترابطة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

كل قيمة  يتشبع بها المسلم لا بد أن تظهر آثارها من خلال السلوك الصادر عنه .

إلا أن القوة التي يظهر من خلالها السلوك ، تعرف و لا شك تفاوتا يمكن أن نمثل له بسلم  متفاوت الدرجات ، يتبارى الأفراد في الإسلام من أجل الحصول على أعلاها ، كلٌّ حسب قوة إيمانه و خصائصه النفسية و أساسه التربوي ..

قال تعالى : ( و في ذلك فليتنافس المتنافسون ) ، و قال تعالى: ( و سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين ).